«الأرابيسك» جوهرة التراث والفنون الإسلامية بين توارث الأجيال والإنقراض

«الأرابيسك» جوهرة التراث والفنون الإسلامية بين توارث الأجيال والإنقراض

 

تقرير : هبه الدالي

مصر بلد الحضارة والفن بها العديد من الحرف اليدوية التي توارثت عبر الأجيال وتتميز تلك الحرف بالجمال والدقة والابداع والاتقان ومازالت علامة من علامات إبداع الانسان بيده ، وتزخر الحضارة المصرية بالفنون المختلفة ومنها جوهرة الفنون الإسلامية " فن الأرابيسك " الذي تميزت به الحضارة العربية الإسلامية ، والذي يعود أصوله إلى أكثر من ألف عام .

 

فن الأرابيسك واحد من الفنون الذي تميزت به حضارتنا العربية الاسلامية ويعتبر فناً تشكيلياً على الخشب ، هو في الأصل صناعة معمارية الطابع تدخل فى الاثاث ، وعبارة عن رسومات هندسية معقدة ومتداخلة ودقيقة تُصنع بطريقة الحفر والنقش والتطعيم ، ويحتاج إلى صبر ودقة عالية ، وهو من الحرف الجميلة التي تحتاج إلى ذوق في تنسيق الألوان والرسومات .

 

 

فنون الأرابيسك عبارة عن سلسلة متكررة من الأشكال الهندسية على طريقة العاشق والمعشوق ، وعادة ما يقوم صانع الأرابيسك بإضافة بعض الزخارف النباتية المحفورة من الزهور والأوراق والثمار ، ليكسر جمود القطعة الخشبية ، ويضفي عليها بعضاً من الحياة والتفاؤل ، ومنها ( المشرابية – المشرفية – التوريق – الميموني وغيرها .......  )

 

قديما كانت تعتمد عليه البيوت بداءاً من النوافذ والابواب حتى الفرش والاثاث الداخلي سواء القاعة أوالسلاملك والحراملك ولكن حالياً يستخدم فن الارابيسك في دور العبادة من المساجد والكنائس .

ومن الأدوات الأساسية لإنتاج مشغولات الأرابيسك : الخشب – الأبنوس والعاج – الباغ – مواد الدهان والتشطيب – ورق الصنفرة – ورق الرسم -  منشار أركيت – أزميل الخرط – الصنفرة – الشوكة الرندة (لخرط اللدائن والعاج والعظ– ( المنقار – المفحار – البرجل الكروي (لقياس أقطار الاسطوانات والأشكال المخروطية) – البرجل المقص (لقياس الأقطار الداخلية المجوفة والمخروطة )  .

 

بدأ فن الأرابيسك في عهد الدولة الفاطمية في مصر ، فالحروب الكثيرة التي خاضتها الدولة ألزمتها باستخدام الكثير من الأخشاب لصناعة الأسلحة ، والقطع الصغيرة التي تتبقى من الأخشاب يتم إرسالها إلي النجارين والحرفيين وهم بدورهم استغلوها في صناعة أشكال هندسية بسيطة واستخدموها في صناعة النوافذ المُطعمة بالقطع الخشبية ، لتصبح النبتة الأولي لصناعة " المشرابيات " في مصر ، وتطور فن الأرابيسك في العصر العباسي ، وذلك نتيجة أهتمامهم بالعلوم والترجمة ؛ مما أدي إلي زيادة المعرفة بالأشكال الهندسية والحسابات ، وقد برز فن الأرابيسك خلال العقود الأخيرة من القرن التاسع عشر ، وبدايات القرن العشرين.
 

فى القرن التاسع عشر قام فنان الأرابيسك بتزيين قصور السلاطين العثمانيين وكان ازدهار فن الأرابيسك فى تلك الفترة عائدًا إلى انتشار الأثرياء والسلاطين الذين كانوا يتنافسون فى إضفاء التفرد على قصورهم ومنازلهم ، ولم يقتصر الأرابيسك على الأثاث فقط بل دخل فى تكوينات المعمار الخاص بالمساجد والقصور .
 

واستدعى سلاطين الدولة العثمانية في اسطنبول صانعي الأرابيسك المصريين ؛ ليقوموا بتزيين قصورهم ، فانتقلوا إلى بلاد الشام ومنها إلي الأناضول ، ومن أغرب ما رويَ عن هؤلاء الصانعين ، أن سلاطين العثمانيين احتجزوهم بعد إنهاء عملهم ، ولم يعودوا إلى مصر ، وعرف ذلك في التاريخ بما يسمى " بالأسر الفني " .

 

انتقل فن الأرابيسك المصري من خلال العثمانيين ليستوطن كل البلاد التي فتحوها ، ولم يتوقف عند تزيين القصور والمنازل ، بل فقاموا بتزيين القباب والمنابر والنوافذ .

 

رغم انتشار فن الأرابيسك في كافة الدول العربية والأوروبية ، إلا أن الحرفيون المصريون مازالوا الأكثر مهارة ، وكانوا يستخدموا غالباً خشب الكافور والصندل في إنتاج قطع الأرابيسك .

 

تمر عملية إنتاج قطع الأرابيسك بعدة مراحل في البداية يتم وضع التصميمات والرسومات الهندسية للأجزاء المطلوب خرطها ، ثم اختيار أنواع وأحجام الأخشاب الملائمة للرسومات ، ثم تثبيت القطعة الخشبية على المخرطة وصنفرتها بصنفرة خشنة ثم صنفرة ناعمة ، بعد ذلك يتم تدبيس ورق الكربون على الباترونات ، ثم يتم طبع الشكل الموجود في الباترون على البانوه الخشبي عن طريق تحديد الخطوط الخارجية للنموذج بقلم معدني ، ثم يتم الحفر على الخشب وتغطية السطح بشمع العسل المضاف إليه زيت " التربانتين " ثم يزال الشمع عن طريق وسائد صغيرة من الصوف السميك ، وبعد الانتهاء من الحفر والتشكيل ، يتم دهان القطعة الخشبية ، وذلك بدهانات " الإستر – الجملاكة " ، وهو دهان شفاف له ملمس زجاجي لامع يساعد على إظهار جمال ألياف الخشب، أو دهانات البلاستيك أو "الورنيش" وهي سوائل سريعة الجفاف ذات تغطية عالية ولامعة .

 

استطاع فن الأرابيسك أن يحقق شهرة عالمية ، تلك الشهرة كانت أحد أهم العوامل التي جذبت السائح الأجنبي فغالباً يسعي السائح وراء إقتناء تحف الأرابيسك المصري ، فالسائح يقدر الجهد المبذول والإحترافية الفائقة التي تحملها هذه القطع .

 

أول ما ربط فن الأرابيسك بالعالم الإسلامي هو غلاف القرآن الكريم وقباب المساجد ، ولكنه أمتد ليزين المراقد والأضرحة والرحلات التي كان يوضع عليها القرآن وكتب الأدعية للقراءة والتلاوة .

 

من أهم الأخطار التي تهدد فن الأرابيسك المصري بالاندثار ، الضرائب المفرطة على الخامات ودخول الآلة في مراحل التصنيع فبعد مرور ألف عام استطاع فيه الصانع المصري الحفاظ على تلك الفن ، دخلت الآلة لتفقد المنتج مذاقه اليدوي الخاص ، وتحولت القطع إلى قوالب متكررة ، ليس بها أي نوع من أنواع الإبداع والإبتكار ، ويشتكي حرفيون الأرابيسك من رخص الأسعار بالمقارنة بالجهد المبذول في الإنتاج ، حيث يتكلف المنتج اليدوي المصنوع بحرفية عالية الكثير من الأموال ، كي تخرج القطعة الفنية بشكل لائق يرضي أذواق السائحين الذين يدركون قيمة هذه الأعمال .

 

رغم هذا التاريخ الطويل لفن الأرابيسك والشهرة الفائقة التي حققها على مدار سنوات طويلة مضت إلا أنه خلال السنوات الأخيرة بدأ فى الإنكماش ، ولكن هناك صنّاع متمسكين بهذا الفن وصناعته التى ورثوها من أجدادهم متفائلين بأن تعود قيمة الأرابيسك مثلما كانت قديما .